صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 19

الموضوع: مسند الإمام الربيع ومسند الإمام زيد : دراسة مقارنة للكاتب مهنا السعدي

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Mar 2012
    المشاركات
    981

    Lightbulb مسند الإمام الربيع ومسند الإمام زيد : دراسة مقارنة للكاتب مهنا السعدي

    في هذه الدراسة حاولت تسليط الضوء على عمدة المدرسة الإباضية في الحديث ( مسند الإمام الربيع ) وعمدة المدرسة الزيدية ( مسند الإمام زيد ) ، والحقيقة أنني لم أستوعب الكتابين تماما بل اكتفيت بكتاب الصوم من كل كتاب كنموذج أولا لكون الدراسة مختصرة وعبارة عن مقال أو بحث مختصر ، وكذلك لكون استيعاب الكتابين في دراسة مقارنة موسعة يحتاج إلى بحث موسع وضخم يصلح كمشروع للدراسات العليا مثلا ، ويتطلب وقتا وجهدا ، وكان وقتي ضيقا حيث إنني - كما ذكرت - كتبت هذه الدراسة المختصرة لتنشر في مجلة ( ليالي رمضان ) ، وتعمدت اختيار كتاب الصوم لكون المجلة المذكورة تصدر في شهر رمضان .

    وبالرغم من ذلك تظل هذه الدراسة المختصرة جهدا بشريا يعتريه النقص والقصور مع وجود الفائدة كذلك ، إذ إن هناك جوانبا لم يسعفني الوقت ولا المصادر والمراجع لتغطيتها عسى أن تنال حقها من الدراسة والبحث من قبل الباحثين ، وأرجو أن يكون عملي المتواضع هذا بداية الغيث ، وبداية الغيث قطرة ...

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Mar 2012
    المشاركات
    981
    (1)

    مقدمة :

    إن المتتبع للتراث الإسلامي يجده تراثا ضخما واسعا ، متنوع المشارب ، إذ إن أئمة وعلماء المسلمين بمختلف مذاهبهم اعتكفوا على التأليف والتنظير ، وتنافسوا في ذلك ، فأبدعت أناملهم دررا ولآلئ تحتاج إلى غواص ماهر يسبر أغوارها ويستخرج نفائسها ؛ ولعمري إن خيرا كثيرا للأمة الإسلامية في هذا الاتساع في التراث الإسلامي واختلاف الطرح كل حسب فكره وقواعده والوسط الذي نشأ فيه وأخذ عنه ، فلا يمنع من التدارس بين مختلف المدارس الإسلامية وتبادل المعارف والعلوم ودراسة تراث كل مدرسة للخروج بالفائدة المرجوة لجمع شتات الأمة ، وما أروعها من كلمات ذهبية كان يرددها الشيخ علي يحيى معمر ( ت : 1400هـ / 1980م ) في مؤلفاته ومحاضراته ، حري بنا جعلها نصب أعيننا في التعاطي مع الآخرين ، أعني : ( المعرفة والتعارف والاعتراف ) ، فنجده يقول : " وأنا على يقين – في نفسي – أن المذهبية في الأمة الإسلامية لا تتحطم بالقوة ، ولا تتحطم بالحجة ، ولا تتحطم بالقانون ، فإن هذه الوسائل لا تزيدها إلا شدة في التعصب وقوة في رد الفعل ؛ وإنما تتحطم المذهبية بالمعرفة والتعارف والاعتراف ، فبالمعرفة يفهم كل واحد ما يتمسك به الآخرون ، ولماذا يتمسكون به ، وبالتعارف يشتركون في السلوك والأداء الجماعي للعبادات ، وبالاعتراف يتقبل كل واحد منهم مسلك الآخر برضا ويعطيـه مثـل الحـق الـذي يعطيـه لنفسـه ( اجتهد فأصاب أو اجتهد فأخطأ ) ... " (1 ) .

    في هذا البحث المختصر ، تطبيقا لقاعدة المعرفة والتعارف والاعتراف ، سأسلط الضوء على مدرستين إسلاميتين عريقتين ، المدرسة الإباضية والمدرسة الزيدية ، متناولا عمدتيهما في الحديث بالدراسة والمقارنة ، مسند الإمام الربيع بن حبيب ومسند الإمام زيد بن علي ، وسأكتفي بدراسة كتاب الصوم في المسندين كنموذج ، إذ إن المقارنة بين مسند الإمام الربيع ومسند الإمام زيد تحتاج إلى دراسة موسعة ومعمقة ، ربما تؤاتيني الظروف مستقبلا أو تؤاتي غيري من الباحثين المهتمين بالدراسة والبحث في التراث الإسلامي لإجراء مثل هذه الدارسة المهمة والمفيدية للأمة .

    .................................................. .

    (1 ) علي يحيى معمر ، الإباضية بين الفرق الإسلامية ، تح : بكير بن محمد الشيخ بالحاج ، مكتـبـة الضـامـري ، السيـب ، سلطنة عمان ، ط2 ، ص2 .

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Mar 2012
    المشاركات
    981
    (2)

    التعريف بالإمامين :

    1- الإمام الربيع :

    هو الإمام الحافظ الحجة المحدث أبو عمرو الربيع بن حبيب بن عمرو بن الربيع بن راشد بن عمرو الأزدي الفراهيدي العماني مولدا البصري إقامة (1 ) ، أصله من عمان من غضفان تقع في ولاية لوى الواقعة على السهل الساحلي لمنطقة الباطنة ؛ ولد في سنة 80هـ / 699م أو قبلها بقليل (2 ) ؛ أخذ مبادئ العلم على يد والده ومشايخ عمان ، ثم رحل إلى البصرة حوالي سنة 90هـ / 708م ، وبقي بها فترة طويلة إلى أن عاد إلى موطنه غضفان بعمان في آخر حياته ، وظل بها إلى أن توفي بين سنتي 175- 180هـ / 791- 796م (3 ) .

    أخذ العلم على يد كبار التابعين بالبصرة ، يقول عن نفسه : " إنما حفظت الفقه عن ثلاثة : أبي عبيدة وضمام وأبي نوح " (4 ) ؛ أكثر من أخذ عنهم العلم التابعي الكبير الإمام جابر بن زيد الأزدي ( ت : 93هـ / 711م ) ، والإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي ( ت : 145هـ / 762م ) ، والإمام أبو نوح صالح بن نوح الدهان ( ق 2هـ ) ، والإمام أبو عبد الله ضمام بن السائب الأزدي العماني ( ق 2هـ ) ؛ وقد روى الإمام الربيع عن عدد كبير من الرواة في مسنده وغيره ، فروى في المسند عن أبي عبيدة وضمام وعبد الأعلى بن عبد الأعلى ويحيى بن كثير ، وروى في غير المسند عن الحسن البصري وسفيان بن عيينة والأعمش ومحمد بن المنكدر وأبان بن عياش وبشر المريسي ومحمد بن علي الكوفي وأبي ربيعة بن زيد العامري وغيرهم من المحدثين ؛ أخذ عنه عدد كبير من الطلبة منهم الإمام محبوب بن الرحيل القرشي ، والإمام موسى بن أبي جابر الإزكوي ، والشيخ بشير بن المنذر ، والإمام أبو صفرة عبد الملك بن أبي صفرة ، ومنير بن النير ، ومحمد بن المعلّى ، وأبو أيوب وائل بن أيوب ، وهاشم بن غيلان الخراساني وغيرهم (5 ) .

    .................................................. ...

    (1 ) عبد الله بن حميد السالمي ، شرح الجامع الصحيح ، ج1 ، المطابع الذهبية ، روي ، سلطنة عمان ، ص3 - سعيد بن مبروك القنوبي ، الإمام الربيع بن حبيب مكانته ومسنده ، مكتبة الضامري ، السيب ، سلطنة عمان ، ط1 : 1416هـ / 1995م ، ص15- صالح بن أحمد ألبوسعيدي ، رواية الحديث عند الإباضية ، مكتبة الجيل الواعد ، مسقط ، سلطنة عمان ، ط1 : 1420هـ / 2000م ، ص49 .
    (2 ) القنوبي ، مصدر سابق ، ص16- ألبوسعيدي ، مصدر سابق ، ص94- 50 .
    (3 ) القنوبي ، مصدر سابق ، ص17-20- ألبوسعيدي ، مصدر سابق ، ص50 ، 59 .
    (4 ) أحمد بن سعيد الشماخي ، كتاب السير ، ج1 ، تح : أحمد بن سعود السيابي ، وزارة التــراث والثـقـافــة ، سلطنة عمان ، 1407هـ / 1987م ، ص96 .
    (5 ) السالمي ، مصدر سابق ، 1/4- 5 - القنوبي ، مصدر سابق ، ص23- 48 - ألبوسعيدي ، مصدر سابق ، ص50- 55 .

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Mar 2012
    المشاركات
    981
    (3)

    وقد ترك الإمام الربيع عددا من الآثار من أهمها : ( المسند الصحيح ) وهو روايته عن شيخه أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن الصحابة ، وقد يخرج عن هذا السند في القليل النادر ، ويحوي المسند حوالي ( 743 ) حديثا ، وسنتحدث عنه لاحقا بمزيد تفصيل ؛ وكتاب ( العقيدة ) يضم حوالي 140 حديثا وأثرا لها تعلق بالعقيدة ، وقد وضعها الإمام أبو يعقوب الوارجلاني – مرتب المسند – في الجزء الثالث من أجزاء المسند ؛ ( روايات الإمام محبوب بن الرحيل عن الإمام الربيع ) وهي تشكل بعض الجزء الرابع من الجامع الصحيح ؛ كتاب ( آثار الربيع ) ألفه أبو صفرة عبد الملك بن صفرة جمع فيه روايات الإمام الربيع عن شيخه ضمام بن السائب عن جابر بن زيد ، وقد حقق مؤخرا من قبل بعض الباحثين ولم ينشر بعد ؛ ( إجابات أسئلة في العبادات والمعاملات والأحوال الشخصية ) رواهـا عنـه أبـو غـانم بشـر بن غـانم الخرساني في مدونته (1 ) .

    وقد كانت للإمام الربيع مكانة علمية سامقة ، فبعد وفاة الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة لم يجد الإباضية خيرا من الإمام الربيع خليفة له ، فلا غرو أن يصفه الدرجيني بقوله : " طود المذهب الأشم ، وبحر العلوم الخضم ، صحب أبا عبيدة فنال وأفلح ، وتصدر بعده على الأفاضل فأنجح " (2 ) ؛ وأثنى عليه شيخه أبو عبيدة فقال : " فقيهنا وإمامنا وتقينا " (3 ) ، وقال عنه تلميذه محبوب بن الرحيل : " فقيه المسلمين وعالمهم بعد أبي عبيدة " (4 ) .

    وقد ذكر الإمام الربيع عدد من المحدثين فقال عنه يحيى بن معين : ثقة (5 ) ، وقال عنه ابن شاهين : ثقة (6 ) ، وقال الدارقطني : " وأما الربيع بن حبيب البصري فلا يترك " (7 ) ، وذكره ابن حبان في الثقات (8 ) ، وذكره البخاري في التاريخ الكبير ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا (9 ) .

    .................................................. .......

    (1 ) القنوبي ، مصدر سابق ، ص49- 50 - ألبوسعيدي ، مصدر سابق ، ص55- 56 .
    (2 ) الشماخي ، مصدر سابق ، 1/95 .
    (3 ) أحمد بن سعيد الدرجيني ، كتاب طبقات المشائخ بالمغرب ، ج1 ، تح : إبراهيم طلاَّي ، ص276
    (4 ) مجموعة علماء ، السير والجوابات ج1 ، وزارة التراث والثقافة ، سلطنة عمان ، ط2 : 1989م ، ص278 .
    (5 ) ابن الجنيد ، سؤالات ابن الجنيد ليحيى بن معين ، تح : السيد أبو المعاطي النوري ومحمود محمد خليل ، عالم الكتب ، بيروت ، لبنان ، ط1 : 1410هـ / 1990م ، ص54 .
    (6 ) عمر بن أحمد ( ابن شاهين ) ، تاريخ أسماء الثقات ، الدار السلفية ، الكويت ، 1984م ، ص27 .
    (7 ) علي بن عمر الدارقطني ، الضعفاء والمتروكين ، مكتبة المعارف ، الرياض ، ط1 : 1984م ، ص208 .
    (8 ) محمد بن حبان البستي ، الثقات ، ج6 ، دار الفكر ، بيروت ، 1975م ، ص299 .
    (9 ) محمد بن إسماعيل البخاري ، التاريخ الكبير ، ج3 ، 1986م ، ص277 .

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Mar 2012
    المشاركات
    981
    (3)

    2- الإمام زيد :

    هو الإمام المجاهد أبو الحسين زيد بن زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ، ولد في سنة 75هـ / 694م ، وقيل : 79هـ / 698م ، وقيل : 80هـ / 699م ، أمه اسمها ( جيدا ) أصلها من السند ، اشتراها الإمام زين العابدين واختصها لنفسه (1 ) .

    نشأ في كنف والده نشأةً علمية ، فعشق العلم منذ نعومة أظفاره ، وعكف على كتاب الله يتدبر آياته حتى عرف بحليف القرآن ، أبرز من أخذ عنه العلم أبوه زين العابدين ، وأخوه الأكبر محمد الباقر ، والصحابي الجليل عامر بن واثلة ، وعبيد بن أبي رافع ، وعروة بن الزبير ، وجابر بن عبد الله الأنصاري ، ومحمد بن أسامة بن زيد وغيرهم (2 ) .

    أثنى على مكانته العلمية عدد من الأئمة والعلماء ، يقول عنه أخوه محمد الباقر : " لقد أوتي زيد علما لدنيا ، فاسألوه فإنه يعلم ما لا نعلم " (3 ) ، وقال أيضا لمن سأله عنه : " سألتني عن رجل ملئ إيمانا وعلما من أطراف شعره إلى قدميه ، وهو سيد أهل بيته " (4 ) ، وقال عنه أبو حنيفة النعمان : " ما رأيت في زمنه أفقه منه ، ولا أعلم منه ، ولا أسرع جوابا ، ولا أبين قولا ، لقد كان منقطع القرين " (5 ) ، وقال عنه الأعمش : " ما رأيت فيهم – يعني أهل البيت – أفضل منه ، ولا أفصح منه ، ولا أعلم " (6 ) ، وقال سفيان الثوري : " قام مقام الحسين بن علي ، وكان أعلم خلق الله بكتاب الله ، والله ما ولدت النساء مثله " (7 ) ، ذكره ابن حبان في الثقات (8 ) ، هذه بعض شهادات العلماء فيه مما يدل على المكانة العلمية السامقة التي تبوأها هذا الإمام الجليل .

    .................................................. .....

    (1 ) زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، المجموع الحديثي والفقهي ، تح : عبد الله بن حمّود العزي ، مؤسسة الإمام زيد بن علي الثقافية ، عمّان ، الأردن ، ط1 : 1422هـ / 2002م ، مقدمة المحقق ، ص37- 39 - أبو الفرج الأصفهاني ، مقاتل الطالبيين ، موقع كتب علوم آل محمد ( www.hamidaddin.net/ebooks/ ) - يحيى بن الحسين الحسني ، الإفادة في تاريخ الأئمة السادة ، موقع كتب علوم آل محمد ( www.hamidaddin.net/ebooks/ ) - خير الدين الزركلي ، الأعلام ، ج3 ، دار العلم للملايين ، بيروت ، لبنان ، ط14 : 1999م ، ص59 .
    (2 ) زيد بن علي ، مصدر سابق ، مقدمة المحقق ، ص40 ، 41 - إبراهيم يحيى الدرسي ، مجموع كتب ورسائل الإمام زيد بن علي ، مركز أهل البيت للدراسات الإسلامية ، صعدة ، اليمن ، ط1 : 1422هـ / 2001م ، ص55 .
    (3 ) زيد بن علي ، مصدر سابق ، مقدمة المحقق ، ص40 - يحيى بن عبد الكريم الفضيل ، من هم الزيدية ؟ ، مؤسسة الإمام زيد بن علي الثقافية ، عمّان ، الأردن ، ط1 : 1424ه، / 2003م ، ص169- 170 .
    (4 ) زيد بن علي ، مصدر سابق ، مقدمة المحقق ، ص40 .
    (5 ) زيد بن علي ، مصدر سابق ، مقدمة المحقق ، ص41 - الزركلي ، مصدر سابق ، ص59 - يحيى بن عبد الكريم ، مصدر سابق ، ص170 .
    (6 ) زيد بن علي ، مصدر سابق ، مقدمة المحقق ، ص41 - إبراهيم الدرسي ، مجموع كتب ورسائل الإمام زيد ، ص79 .
    (7 ) زيد بن علي ، مصدر سابق ، مقدمة المحقق ، ص41 - يحيى بن عبد الكريم ، مصدر سابق ، ص169 .
    (8 ) أحمد بن حجر العسقلاني ، تهذيب التهذيب ، ج2، دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، لبنان ، ط2 : 1413هـ / 1993م ، ص244 .

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Mar 2012
    المشاركات
    981
    (4)

    كان مشهورا بكثرة العبادة والخشوع وقيام الليل وصيام النهار ، وكان زاهدا في حطام الدنيا الفاني ، فكان يقول : " من أحب الحياة عاش ذليلا " (1 ) ، قال الشعبي : " ما رأيت أزهد من زيد بن علي " (2 ) ؛ وكان تقيا ورعا ، فيقول : " والله ما كذبت كذبة منذ عرفت يميني شمالي ، ولا انتهكت لله محرما منذ عرفت أن الله يعاقب عليه " (3 ) .

    كان فصيحا بليغا مفوها ، يمتلك الكلمة القوية المؤثرة ، والقدرة على انتقاء العبارات وتوظيف الكلمات ، قال عنه الكميت بن زيد الأسدي : " ما رأيت قط أبلغ من زيد بن علي " (4 ) ، وقال خالد بن صفوان : " انتهت الفصاحة والخطابة والزهادة والعبادة من بني هاشم إلى زيد بن علي " (5 ) .

    بالإضافة إلى ما سبق من صفاته الرفيعة فإنه كان فارسا شجاعا مقداما ، لا يخشى في قول كلمة الحق لومة لائم ، تشهد له بذلك مواقف عديدة أمام الظلمة والطغاة ، وهو القائل : " والله لوددت أن يدي ملصقة بالثريا ، ثم أقع فأتقطع قطعة قطعة ، ويصلح الله بذلك أمر أمة محمد " (6 ) ، حتى إنه قاد ثورة ضد الأمويين ، وذلك لما رأى استشراء الظلم والجور وتعطيل الشرع ، إلا أن ثورته لم يكتب لها النجاح حيث أصابه سهم في أرض المعركة فمكث يعاني جراحه حتى مات في سنة 122هـ / 739م (7 ) .

    ترك ميراثا علميا ضخما ، نذكر منه على سبيل المثال : ( مجموع الإمام زيـد ) ، و( تفسيـر غريب القـرآن ) ، و( مناسك الحج والعمرة ) ، و( مجموع رسائل وكتب الإمام زيد ) ، وغيرها من المؤلفات (8 ) .

    أخذ عنه العلم عدد كبير من طلاب العلم ، فممن أخذ عنه : الإمام يحيى بن زيد ، والإمام عيسى بن زيد ، والإمام جعفر الصادق ، وأبو حنيفة النعمان ، وشعبة بن الحجاج ، وثابت بن دينـار ، وسلمـان بن مهران الأعـمش ، وغيرهم (9 ) .

    وتجدر الإشارة إلى أن الزيدية ينتسبون إلى هذا الإمام الجليل وذلك لأنه جسد آمالهم ومبادئهم واستشهد في سبيل ذلك ، وأحيا ما اندثر من الدين ، فيقول الإمام محمد بن عبد الله النفس الزكية : " أما والله لقد أحيا زيد بن علي ما دثر من سنن المرسلين ، وأقام عمود الدين إذ اعوج ، ولن ننحو إلا أثره ، ولن نقتبس إلا من نوره ، وزيد إمام الأئمة ، وأول من خرج داعيا إلى الله بعد الحسين بن علي " (10 ) ، ومع انتساب الزيدية لهذا الإمام فإنهم لا يلتزمون تقليده فقط دون غيره من الأئمة والعلماء ، فالزيديـة تـرى أن الاجتهـاد واجـب في كـل عصـر وفي كـل مكـان لكـل من ملك أدوات الاجتهاد (11 ) .

    .................................................. .

    (1 ) زيد بن علي ، مصدر سابق ، مقدمة المحقق ، ص43 .
    (2 ) زيد بن علي ، مصدر سابق ، مقدمة المحقق ، ص43 .
    (3 ) نص من خطبة للإمام زيد حين خفقت رايات الجهاد ، انظر : مجموع رسائل الإمام زيد بن علي ، موقع كتب علوم آل محمد e ، www.hamidaddin.net/ebooks/ - الأصفهاني ، مقاتل الطالبيين ، موقع كتب علوم آل محمد e ، www.hamidaddin.net/ebooks/ .
    (4 ) زيد بن علي ، مصدر سابق ، مقدمة المحقق ، ص44 .
    (5 ) زيد بن علي ، المجموع الحديثي والفقهي ، مقدمة المحقق ، ص44 - يحيى بن الحسين ، الإفادة ، موقع كتب علوم آل محمد e ، www.hamidaddin.net/ebooks/ .
    (6 ) الأصفهاني ، مقاتل الطالبيين ، موقع كتب علوم آل محمد e ، www.hamidaddin.net/ebooks/ .
    (7 ) زيد بن علي ، مصدر سابق ، مقدمة المحقق ، ص45- 51 - الأصفهاني ، مصدر سابق ، موقع كتب علوم آل محمد e ، www.hamidaddin.net/ebooks/ - يحيى بن الحسين ، مصدر سابق ، موقع كتب علوم آل محمد e ، www.hamidaddin.net/ebooks/ - الزركلي ، الأعلام ، ص59 .
    (8 ) زيد بن علي ، مصدر سابق ، مقدمة المحقق ، ص53 .
    (9 ) زيد بن علي ، مصدر سابق ، مقدمة المحقق ، ص53 - إبراهيم الدرسي ، مجموع كتب ورسائل الإمام زيد ، ص55 - 62 .
    (10 ) زيد بن علي ، مصدر سابق ، مقدمة المحقق ، ص53 - عبد الله بن محمد بن إسماعيل ، الزيدية قراءة في المشروع وبحث في المكونات ، مركز الرائد للدراسات والبحوث ، صنعاء ، اليمن ، ط1 : 1424هـ / 2004م ، ص92 .
    (11 ) زيد بن علي ، مصدر سابق ، مقدمة المحقق ، ص54 - عبد الله بن محمد ، مصدر سابق ، ص93 .

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Mar 2012
    المشاركات
    981
    (5)

    3- مسند الإمام الربيع ومسند الإمام زيد قراءة في المنهج :

    أولا : مسند الإمام الربيع :

    يعد مسند الإمام الربيع من أوائل الكتب المدونة في الحديث ، بل يرى بعض علماء الإباضية أن مسند الإمام الربيع هو أول ما صُنّف في سنة الرسول صلى الله عليه وسلم (1 ) ، ويعد من أصح كتب الحديث سندا ، وصفه الإمام السالمي بأنه : " من أصح كتب الحديث سندا وأعلاها مستندا ، فما أحق متنه أن يوصف بالعزيز وما أجدر سنده أن يدعى بسلاسل الإبريز لشهرة رجاله بالفقه الواسع والعلم النافع والورع الكامل والفضل الشامل والعدل والأمانة والضبط والصيانة ... " (2 ) .

    ويضم بين دفتيه ( 742 ) حديثا ، وأغلبه ثلاثي السند ، وبما أن مسند الربيع دُوّن في مرحلة متقدمة بل في أولى مراحل تدوين الحديث ، والتي كان يتم فيها تدوين الحديث على أسماء الرواة ، فنجد الإمام الربيع دَوّن مسنده على مسانيد الصحابة ، وقد بلغت مسانيد الصحابة الذين روى لهم خمسة وأربعين صحابيا (3 ) ، منهم على سبيل المثال الصحابي الجليل عبد الله بن عباس رضي الله عنهما روى له ( 200 ) حديثا ، ومنهم أبو هريرة رضي الله عنه روى لـه ( 100 ) حديثا ، وعائشـة أم المؤمنيـن رضي الله عنها روى لها ( 88 ) حديثا (4 ) .

    وقد قام العلامة أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني ( ت : 570هـ / 1174م ) بترتيب المسند على الأبواب الفقهية ، وعنونه بـ ( الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب ) ، وقسمه على خمسة عشر كتابا في جزئين ، هي : ( الإيمان ، والطهارة ، والصلاة ، والصوم ، والزكاة والصدقة ، والحج ، والجنائز ، والأذكار ، والنكاح ، والطلاق ، والبيوع ، والأحكام ، والأشربة ، والأيمان والنذور ، والآداب ) (5 ) ؛ وضم إلى ( الجامع الصحيح ) آثار كان الإمام الربيع قد احتج بها على مخالفيه في مسائل الاعتقاد وغيرها ، وعددها ( 140 ) أثرا ، جاعلا إياها جزءا ثالثا ، وأضاف جزءا رابعا يحوي روايات الإمام أبي سفيان محبوب بن الرحيل عن الإمام الربيع ، وروايات الإمام أفلح بن عبد الوهاب عن أبي غانم الخرساني ، ومراسيل الإمام جابر بن زيد ، وعددها ( 123 ) حديثا ، وعنونه بـ ( كتاب الترتيب في الصحيح من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم ) ، فأصبح ( كتاب الترتيب ) مع مسند الإمام الربيع يحوي ( 1005 ) حديثا (6 ) .

    كذلك فإن أبا يعقوب أعد رسالة ترجم فيها لرجال المسند ، أشار إليها الشماخي ( ت : 928هـ / 1522م ) في معرض ذكره لكتاب الترتيب حيث قال : " ... ورأيت له كتاب الترتيب في علم الحديث ، رتب كتاب الربيع بن حبيب في الحديث وزاد فيه ما رواه غيره عن ضمام عن جابر وغيرهما ، وكراسة في تسمية رجال الكتاب " (7 ) ؛ إلا أنها مفقودة ولم يعثر إلا على جزء بسيط منها (8 ) .

    .................................................. ..

    (1 ) القنوبي ، الإمام الربيع ، ص49 - ألبوسعيدي ، رواية الحديث ، ص61 .
    (2 ) السالمي ، شرح الجامع الصحيح ، 1/2 .
    (3 ) انظر قائمة بأسمائهم في : ألبوسعيدي ، رواية الحديث ، ص61- 64 .
    (4 ) القنوبي ، الإمام الربيع ، ص49 - ألبوسعيدي ، مصدر سابق ، ص61 .
    (5 ) السالمي ، شرح الجامع الصحيح ، 1/3 - عمرو خليفة النامي ، دراسات عن الإباضية ، دار الغرب الإسلامي ، بيروت ، لبنان ، ط1 : 2001م ، ص129 - القنوبي ، مصدر سابق ، ص49 - ألبوسعيدي ، مصدر سابق ، ص65 .
    (6 ) النامي ، مصدر سابق ، ص129- 130- يوسف بن إبراهيم الورجلاني ، كتاب الترتيب في الصحيح من حديث الرسول e ، تح : سلطان بن مبارك الشيباني ، مكتبة مسقط ، مسقط ، سلطنة عمان ، ط1 : 1424هـ / 2003م ، ص7 مقدمة المحقق .
    (7 ) الشماخي ، السير ، 2/105 .
    (8 )أبو يعقوب الورجلاني ، مصدر سابق ، ص6 مقدمة المحقق .

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Mar 2012
    المشاركات
    981
    (6)

    ومما تجدر به الإشارة عدم الخلط بين مسند الإمام الربيع ( الجامع الصحيح ) وبين ( كتاب الترتيب ) لأبي يعقوب ، فالجامع الصحيح عبارة عن الجزء الأول والثاني من ( كتاب الترتيب ) فقط ، والحقيقة إن عددا من دور النشر التي تصدت لنشر ( كتاب الترتيب ) ، عنونته بـ ( الجامع الصحيح ) ونسبته إلى الإمام الربيع ، والصحيح غير ذلك كما ذكرت ؛ والذي يؤكد كون الإمام أبي يعقوب عنون كتابه بـ ( كتاب الترتيب ) ، أولا : كون النسخ المخطوطة لكتاب الترتيب تحمل هذا العنوان (1 ) .

    ثانيا : المصادر الإباضية المتقدة أشارت إلى كتاب الترتيب وذكرته بهذا العنوان ، فأبو القاسم البرَّادي ( حي : 810هـ / 1407م ) يقول : " ... ولأبي يعقوب يوسف بن إبراهيم العدل والإنصاف ... وكتاب الترتيب ... " (2 ) ؛ وكذلك الشماخي ( ت : 928هـ / 1522م ) أشار إليه في سيره بنفس هذا العنوان ، وقد مر نص الشماخي قبل قليل (3 ) .

    ثالثا : قام عدد من العلماء بشرح ( كتاب الترتيب ) معتمدين هذا العنوان لشروحهم نذكر مثلا : حاشية الترتيب على الجامع الصحيح للشيخ محمد أبي ستة المحشّي ، ومختصر حواشي ترتيب مسند الربيع بن حبيب لضياء الدين الثميني ، وترتيب الترتيب لقطب الأئمة ، مما يؤكد كون ( كتاب الترتيب في الصحيح من حديث الرسول e ) هو العنوان الصحيح لمصنف الإمام أبي يعقوب ، وأن ( الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب ) هو عبارة عن الجزء الأول والثاني من ( كتاب الترتيب ) .

    وتوجد نسخة من الجامع الصحيح مخطوطة بمكتبة آل يدر ببني يزقن بـوادي ميـزاب بالجزائـر تحـت رقـم : (113/ج8) (~6/159) ، تم نسخهـا في 815هـ(4 ) ، ونسخـة مخطـوطـة في دار الكتـب المصريـة رقـم : ( 21582 ) (5 ) .

    .................................................. .......

    (1 ) أبو يعقوب الورجلاني ، مصدر سابق ، ص7 مقدمة المحقق .
    (2 ) أبو القاسم بن إبراهيم البرادي ، الجواهر ، مخطوط ، ص220 .
    (3 ) الشماخي ، مصدر سابق ، 2/105 .
    (4 ) محاورات الظافر وسعد بن عبدالله الحميّد حول مسند الإمام الربيع بن حبيب ، موقع الأمل المشرق ( www.alaml.net ) ..
    (5 ) علي أكبر ضيائي ، معجم مصادر الإباضية ، مؤسسة الهدى ، طهران ، إيران ، ط2 : 1424هـ ، ص503 .

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Mar 2012
    المشاركات
    981
    (7)

    ويلاحظ قلة التكرار في المسند في الغالب ، وذلك أن الإمام الربيع اقتصر في مسنده على رواياته عن الإمام أبي عبيدة ولم يرو من طريق غيره إلا نادرا ، فلا يورد الحديث بأسانيد متعددة كما فعل الإمام مسلم أو الإمام أحمد ، فكان يقتصر في الحديث على رواية واحدة في الموضوع الواحد ، وقد يكرر أحيانا إذا اقتضت الضرورة (1 ) .

    ذكرت سابقا أن مما يميز مسند الإمام الربيع كون أغلب رواياته ثلاثية السند ، وهذه ميزة عظيمة يشيد بها العلماء ويؤلفون فيها المؤلفات ، وذلك أن كون السند ثلاثيا يقلل احتمال الخطأ وذلك لقرب الإسناد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وقلة الحلقات الموصلة إليه ، بالإضافة إلى ذلك فإن ثلاثية الإمام الربيع تتميز عن ثلاثيات غيره من المحدثين بميزات هي : كون رواة هذه السلسة الذهبية في أعلى درجات العدالة والضبط ، طول ملازمة كل راو لشيخه ، أن كل أفراد هذه السلسة فقهاء مبرزون في الفقه (2 ) ؛ وأغلب أحاديث المسند متصلة السند ، ويوجد فيه مراسيل ومنقطعات (3 ) ، وقد تتبعها العلامة سعيد بن مبروك القنوبي وخلص إلى أنه قد ثبت اتصالها أو اتصال أكثرها عنـد غيـره بأسانيـد حسنة أو صحيحة (4 ) .

    ويتميز منهج الإمام الربيع في المتن أنه أراد أن يفرد حديث رسول الله e فلذلك قل في مسنده الموقوف والمقطوع ، هذا وإن آثار الصحابة والتابعين (5 ) التي ذكرها الإمام الربيع إنما ذكرها إما لبيان معنى حديث أو تأكيد العمل به أو تخصيصه (6 ) ؛ وكذلك نجد أن الإمام الربيع يشرح غريب الحديث مع بيانه لفقه الحديث (7 ) .

    ولعل البعض يستغرب قلة الأحاديث التي يحويها مسند الإمام الربيع مقارنة مع كتب الصحاح والسنن الأخرى كصحيح البخاري أو صحيح مسلم ، فعدد أحاديث المسند ( 742 ) حديثا ، وعددها مع ما ضمه الإمام أبو يعقوب الوارجلاني هو ( 1005 ) حديثا ، بالرغم من كون الإمام الربيع أخذ عن كبار التابعين ، والإمام جابر كان من خاصة طلاب ابن عباس وأخذ عن عدد كبير من الصحابة ، فهو الذي قال فيه ابن عباس : " اسألوا جابر بن زيد فلو سأله أهل المشرق والمغرب لوسعهم علمه " (8 ) ، ويقول الإمام جابر : " أدركت سبعين من أهل بـدر فحـويت ما عندهم إلا البحر " (9 ) يقصد بالبحر ابن عباس .

    إن الإجابة على هذه الإشكالية تكمن في معرفة وفهم منهج المدرسة الإباضية ، والحديث عن فكر ومنهج المدرسة الإباضية لا تتسع له هذه العجالة (10 ) ، ولكن سنعطي لمحة سريعة لهذا الإقلال في الرواية عند أئمة الإباضية وعند الإمام الربيع ومسنده ؟!

    .................................................. .........

    (1 ) ألبوسعيدي ، رواية الحديث ، ص66 .
    (2 ) ألبوسعيدي ، مصدر سابق ، ص71- 73 .
    (3 ) ألبوسعيدي ، مصدر سابق ، ص75 .
    (4 ) القنوبي ، الإمام الربيع ، ص147 .
    (5 ) انظر مثلا : حديث رقم ( 223 ) باب ( 38 ) كتاب الصلاة ص60 ، حديث رقم ( 713 ) باب ( 53 ) كتاب الأيمان والنذور ص182
    (6 ) ألبوسعيدي ، مصدر سابق ، ص80 .
    (7 ) انظر مثلا : حديث رقم ( 338 ) باب ( 57 ) كتاب الزكاة والصدقة ص86 ، وحديث رقم ( 474 ) باب ( 18 ) كتاب الجنائز ص125 .
    (8 ) الدرجيني ، الطبقات ، 2/205 .
    (9 ) سامي صقر أبو داود ، الإمام جابر بن زيد الأزدي وأثره في الحياة الفكرية والسياسية ، مكتبة الجيل الواعد ، مسقط ، سلطنة عمان ، ط1 : 2000م ، ص78 .
    (10 ) للتوسع في فهم منهج وفكر المدرسة الإباضية انظر : ( أشراط الساعة النص والتاريخ ) لخالد بن مبارك الوهيبي ، و( قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث ) و( الإباضية تاريخ ومنهج ومبادئ ) كلاهما للدكتور زكريا بن خليفة المحرمي .

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Mar 2012
    المشاركات
    981
    (8)

    لقد تميز أئمة الإباضية الأوائل – والإمام الربيع أحدهم – بكونهم فقهاء بالإضافة إلى كونهم رواة للحديث ، وفقههم في الدين كان حاجزا بينهم وبين الانجراف خلف جمع وتخييش الروايات كما انجرف الكثير من أهل الحديث ، بالإضافة إلى أنهم يفرقون بين السنة وبين الحديث وبين الرواية ، فالسنة عندهم هي : ما جرى عليه عمل الأمة واستقرت عليه الشريعة وما اجتمعت عليه من السنن ، دون ما ينفرد به الأفراد القليلون (1 ) ، وأما الحديث فهو : الأقوال أو الأفعال التي تنسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو أحد من صحابته الكرام مما يرويه الآحاد من الناس (2 ) ، وأما الرواية فهي : بعض ما ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم من أقوال قيلت في مناسبات ووقائع لا تذكر في كثير من الأحيان الملابسات والظروف التي قيلت فيها من قبل الرواة مما ينفردون به عن غيرهم (3 ) .

    فكان تركيزهم على السنة حيث إنها تعبر عن الجانب التشريعي المتيقن منه عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، وأما الروايات الآحادية فعبروا عنها بمصطلحات الرواية والحديث ، حرصا منهم على فصل ما يعبر عن طبيعة الدين ومصدره التشريعي المطلق عن التطبيق الزمني الظرفي الموَلد من التشريع الدائم المطلق ، لذا مارسوا فهم الحديث والرواية في ضوء السنة ، مع التنبيه على أن السنة لديهم لم تنفصل على الإطلاق عن القرآن ، فهما يمثلان معا المرجعية العليا للإسلام ، لذا لم يتردد فقهاء الإباضية الأوائل في ترك مئات الروايات الآحادية أو تأويلها تعويلا على فهمها وعرضها على السنة المتمثلة في السنة العملية المتبعة وأنساق القواعد العامة والمقاصد الكلية للممارسات العملية المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، والتي تحقق ترابطها وانسجامها الداخلي (4 ) .

    إذا ومما سبق اتضح لنا سبب إقلال أئمة الإباضية في الرواية ، وقلة الأحاديث التي يتضمنها مسند الإمام الربيع ، إذ كان جل تركيزهم على السنة العملية المتبعة والروايات الآحادية التي تعكس جوانب السنة المجمع عليها عند الأمة ، قال الإمام الربيع : " بلغنا أن عدة ما رُويَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة آلاف حديث منها تسعمائة في الأصول ، والباقي في الآداب والأخبار " (5 ) .

    .................................................. .......

    (1 ) خالد بن مبارك الوهيبي ، أشراط الساعة النص والتاريخ ، مكتبة الغبيراء ، بهلا ، سلطنة عمان ، ط1 : 1425هـ / 2004م ، ص26 .
    (2 ) الوهيبي ، مصدر سابق ، ص27 .
    (3 ) الوهيبي ، مصدر سابق ، ص27 .
    (4 ) الوهيبي ، مصدر سابق ، ص27 ، 41- 42 .
    (5 ) الربيع بن حبيب ، الجامع الصحيح ، 2/190 .

المفضلة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •