جريمة تشويه صورة أهل النهروان في الأذهان :ـ

إنَّ خصم علي بن أبي طالب كانا داهيتي العرب عمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان ، ولقد تمكنا من زرع عملاء لهم في صفوف جيش علي يبثون الفرقة ، ولقد تمكن بعضهم من الوصول إلى أن يكون من قادة جيش الإمام علي وناقلي الأخبار إليه ، ولقد أسهم هؤلاء إسهاماً عظيماً في إذكاء نار الفتنة ، وليِّ أعناق الأحاديث النبوية الشريفة لتكون موجهة لأصحاب النهروان فيكونوا هم الذين حذَّرت منهم الأحاديث الشريفة بأنهم يأتون في آخر الزمان ، يتركون أهل الأوثان ، ويقتلون أهل الإسلام ، يقرؤون القرآن فلا يجاوز حناجرهم ، وما ذلك بغريب فبعد مقتل عمَّار بن ياسر ، وخروج الكثير من جيش معاوية إلى جيش الإمام علي ، بعد أن قرع سمعهم الحديث (ويح عمار تقتله الفئة الباغية ) أشاع عمرو بن العاص مقولته (إنما قتله من خرج به) وهكذا تشوهت الحقيقة في أذهان كثير من العامة ، الذين عادوا أدراجهم إلى جيش معاوية.

ولقد بدأت كتابة التأريخ الإسلامي بعد ذلك ، تحت مسمع الدولة الأموية -السلطة الجديدة -وبصرها ، وأهل النهروان ومن بقي منهم هم من كان يرى ضرورة عدم مهادنة جرثومة(12)هذه الدولة ،فسلَّطت عليهم يدها الباطشة ، وإعلامها الهادر عسى أن تأتي عليهم فلا تبقي لهم أثرا ، ولم تكن الدولة العباسية بأرحم من ذلك.

لقد صوِّر أهل النهروان على أنهم الخوارج المتوحشون ، الذين يجب قتلهم واستئصالهم ، وقد أتقنت الدولة الأموية ومِن بعدها الدولة العباسية تتبُّع من بقي من آثارهم ، فتتبعتا كلَّ من رأى عدم شرعيتهما في كلِّ أرض وقطر ؛ وأوسعوا قتلاً وتعذيبا.
لقد صوَّر الكثير من المؤرخين أهلَ النهروان وبقاياهم وحوشاً مسعورةً تتلذذ ببقر البطون وقتل الناس ، فترى بعد تعريف كلِّ واحدٍ منهم (زائغٌ مبتدع) وإن كان صحابياً مجاهدا ، وما هي بدعته ؟ إنَّها لم تكن إلا قوله : لا حكم إلا لله ، ومتى كان هذا القول بدعةً وضلالة؟.
وأنت أيها القارئ الكريم قد رأيت قول علي وابن عباس بل وقول أبي موسى وهو أحد الحكمين في التحكيم ذاته.

تلفيق التهم بهؤلاء الصحابة ومن بقي منهم: ـ

1- من ذلك وأخطره استغلال لفظة (الخوارج) في غير محلها ، فهي تسمية أطلقها عليهم الإمام علي بن أبي طالب لتمييزهم ممَّن بقي عنده ، ولم تكن تلك سُبَّة وإلا لما استخدمها أهل النهروان أنفسهم ، فخروجهم من جيش علي حقيقة تأريخية ، ولا عيب فيها ، فهي رفضٌ لفكرة التحكيم التي ثبت فشلها عملياً ولم يقبل نتيجتها حتى الإمام علي، فهو خروجٌ سياسي ، ولكن المؤسف أن يتجرأ عليهم اللاحقون من أهل الأهواء ، الذين لم يسلم من تزويرهم أحد حتى من لحق من أئمة المذاهب فألَّفوا الأحاديث في شتمهم ، وتحذير الأمة منهم كالحديث المكذوب على الإمام الشافعي وأنه أخطر من إبليس ، وغيره من أئمة المذاهب الإسلامية ، في الوقت الذي تؤلف فيه الأحاديث لإطراء المتهاونين في دينهم المقصرين فيه ، رغم ورود أحاديث صحيحة تقذعهم كقوله صلى الله عليه وسلم في معاوية (لا أشبع الله بطنه) (13) ، أولئك الذين لم يسلموا إلا فَرَقاً من السيف ، قبيل انتقال الرسول الكريم إلى الرفيق الأعلى بعد أن أوسعوه هجاءً بأشعارهم وقتالا بسيوفهم ، لقد صُوِّر بعض هؤلاء مثلاً بأنه كان من كتَبَة الوحي رغم أنه كان من الطلقاء الذين أسلموا عام الفتح ؛ فأي وحي هذا الذي كتبه ؟! لقد كانت حَمْلة مسعورة لتشويهه الحقائق في أذهان العامة ، وتحوير التأريخ ، وما أعظم الفرية على رجالٍ من أهل بدر وبيعة الشجرة ومن ماثلهم في الفضل والشرف حتى سُمِّيَ خروجهم لإقامة حكم الله خروجاً من الدِّين، وما التطاول على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج من الدين إلا طامة كبرى ، ومصيبة عظمى تقذف بقائليها في المهالك ، وهي تهمة لم يقمْ عليها الدليل ، ولا تسندها الحُجَّة ، وهل يكون اعتزالُ الفتنةِ خروجاً من الدين ، في الوقت الذي لا يُعَدّ اغتصابُ الخلافة من الخليفة الشرعي المنتخب خروجاً من الدين؟.

2- ومن ذلك التشويه المتعمَّد أيضاً تأليف القصص في وحشية أهل النهروان وسذاجتهم ، وقتلهم للمسلمين في الوقت الذي يعتذرون لأهل الخنازير عن قتل خنازيرهم ، وهذه القصص منتشرة في كتب التأريخ وأغلبها كذبها هو أوضح ما فيها ! ، ولو سلَّمنا جدلاً بصحتها فإن تصرف البعض (إن صحَّ) لا يدلُّ على الكلِّ ، ومن الغباء والظلم سحب خطأ فرد أو أفراد على الجماعة كلِّها ، والله تعالى يقول (ولا تزر وازرةٌ وزر أخرى ) ويقول (كلُّ نفسٍ بما كسبت رهينة) ، وإلا فمن الحُمق والغباء أن يأتي حاقد ليُحَمِّلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم أخطاء بعض الصحابة ، كما فعل خالد بن الوليد وآخر لعلَّه أسامة بن زيد ، الذَين تبرأ الرسول صلى الله عليه وسلم مما فعلا مباشرة فقال صلى الله عليه وسلم {اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد } (من رواية البخاري )، وقال للآخر {ماذا تقول للا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة } (من رواية مسلم).
أليس من الظلم اليوم أن ننسب الحركات المتطرفة في بعض الدول الإسلامية التي تقتل الناس من غير جرمٍ اكتسبوه ، أليس من الظلم أن ننسبها إلى المذاهب الإسلامية التي ينتمون إليها أصلاً فنقول هؤلاء شافعية أو مالكية مثلاً رغم أنهم يبرأوون من أفعالهم ؟!! فهذه بتلك.

زَيْغُ النجديةِ والصفريةِ وأمثالِهم: ـ

بعد مجزرة الصحابة بالنهروان ، تمَّ تتبع من بقي من الناس الذين يمتون إلى هؤلاء فكراً ، في كلِّ أرض لإبادتهم ، وتزعمت هذه الحملة بطبيعة الحال الدولةُ التي خرج ضدها هؤلاء واقرأ إن شئت أفعال زياد بن أبيه فيهم ؛ ويكفيك أنه كان يصلب نسائهم عرايا (14) ، فكانت هنالك ردة فعلٍ مُجْرمةٍ لدى بعض هؤلاء فأفتوا بشرك مخالفيهم ؛ فاستحلوا دماءهم و أموالهم وحرَّموا مناكحتهم ، كالنجدية أتباع نجدة بن عامر الحنفي أهل اليمامة (الرِّياض حالياً) ، ومثلهم الأزارقة أتباع نافع بن الأزرق ، والصفرية أصحاب زياد ابن الأصفر ، وما كان من بقية أهل النهروان الثابتين على الإنصاف إلا أن أعلنوا البراءة منهم وذلك مدون في ما كتبوه وحفظته كتب التأريخ فلتراجع كتب الإباضية في هذا لأن قولهم حجةٌ عليهم ، وهذا سرُّ تسمية هؤلاء البغاة للإباضية بالقَعَدَة ، أي أنهم قعدوا عمَّا سوَّلته لهم أنفسهم بأنه جهاد ، وما هو إلا ردَّة فعل للانتقام من كلِّ المسلمين ، وهو شبيه بما يحدث في كثير من بقاع العالم الإسلامي اليوم.
إنَّ الإباضية يبرأوون على كلِّ حال من كلِّ إنسان لوَّث يده متعمداً بدماء المسلمين الطاهرة الزكية ، أو استحلَّ دمائهم ، أياً كان ، فالناس عند الله محاسبون بأعمالهم لا بأنسابهم .

الأعجب في الأمر أن تجاهلا عظيماً وغضاً للطرف يجري عمَّا صنعه معاوية ومن جاء بعده ، وقد ذكرنا مقولة الحسن البصري فيه وتقتيله لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والصالحين من الأمة ، والأخبار الموثوقة في هذا كثيرة مؤلمة ؛ فمنها ما رواه ابن جرير الطبري وابن الأثير واللفظ له ، في قتل معاوية لعبد الرحمن بن خالد بن الوليد ( وكان سبب موته أنه كان قد عظم شأنه عند أهل الشام ، ومالوا إليه لما عنده من آثار أبيه ، ولغنائه في بلاد الروم ، ولشدَّة بأسه ، فخافه معاوية وخشي منه ، وأمر أُثال النصراني أن يحتال في قتله ، وضمن له أن يضع عنه خراجه ما عاش! ، وأن يوليه جباية خراج حِمص ! ، فلما قدِم عبد الرحمن من الروم دسَّ إليه ابن أُثال شربة مسمومة مع بعض مماليكه ، فشربها ، فمات بحمص ، فوفَّى له معاوية بما ضمن له)
فهل معاوية مستثنى من قوله تعالى { ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعدَّ له عذابا عظيما}(15) ، أما الأحاديث التي وردت في فضائل معاوية فارجع للحافظ الذهبي في (سير أعلام النبلاء) لتعلم بطلانها.(16)


المصدر
http://www.ibadhi.net/vb/showthread....=6706#post6706